خليل الصفدي

159

صرف العين

أغراضا ، وللنقاد في شعره آراء مختلفة ، فمنهم من يقدّمه على معظم نظرائه ، ويفرط في الثناء عليه ، ومنهم من ينتقصه ، ويحط من قدره « 1 » ، ولعلّ يوسف بن تغرى بردى « 2 » أصدق من قال رأيا في شعره ، قال : لولا أنّه كان راضيا بشعره ، لكان يندر له الردىء ، ويكثر منه الجيّد ؛ فإنّه كان غوّاصا على المعاني ، مبتكرا للنكت البديعة ، عارفا بفنون الأدب ، وعندما يعارض بعض من تقدّمه ، من مجيدي الشعراء ، في معنى من المعاني اللطيفة ينظم بيتين يجيد فيهما ، ثم ينظم - أيضا - في ذلك المعنى بعينه بيتين آخرين ، ثم بيتين ، ثم بيتين ، ولا يزال ينظم في ذلك المعنى إلى أن يملّه النظر ، وتسأمه النفس ، ويمجّه السّمع ، فلو ترك ذلك ، وتحرّى القصد في قريضه لكان من الشعراء المجيدين ، لقوّة شعره ، وحسن اختراعه « 3 » . ولم يكن إعجاب الصفدي بنفسه ، وشعره هو - وحده - سبب وقوعه في النظم الركيك ، بل يضاف إلى ذلك كثير من القيود ألزم بها نفسه ، وحاول - بالرغم من ثقل قيوده - النهوض ، والسموّ ، وسعى إلى مجاراة الفحول المطبوعين ، فمن تلك القيود : 1 - لزوم ما لا يلزم ، وإنّه ليباهى به ، ويقول : « وغالب ما أنشئه أنا إنّما آتى به ملزوما » « 4 » ، كقوله « 5 » : جدّ الهوى بالشّجىّ المعنّى * وأنت هاز به ، وهازل وحرب عينيك في سطاها * تعلو الثّريّا ، فمن ينازل ؟ فاكفف سهام الجفون عنّى * فأنت غاز لمن تغازل

--> ( 1 ) انظر آراء النقاد في شعره في فصل « الصفدي الشاعر » في دراستي عنه . ( 2 ) أبو المحاسن ، يوسف بن تغرى بردى ، جمال الدين ، الظاهري ، الحنفي ، ( 813 - 874 ه ) مؤرخ ، أديب ، من أمراء المماليك ، له مؤلفات كثيرة أشهرها « النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة » . انظر : تاريخ الأدب العربي بروكلمان ق 6 / 151 ، والأعلام 8 / 222 ، ومعجم المؤلفين 13 / 282 . ( 3 ) انظر : المنهل الصافي 5 / 242 . ( 4 ) نصرة الثائر على المثل السائر 157 . ( 5 ) صرف العين 121 / ب .